جلال الدين السيوطي
263
الأشباه والنظائر في النحو
معان في أنفسها وإنما معانيها في غيرها ، وأما الذي معناه في نفسه وهو الاسم فأصله أن لا يعمل في غيره ، وإنما وجب أن يعمل الحرف في كل ما دلّ على معنى فيه لأنه اقتضاه معنى فيقتضيه عملا لأن الألفاظ تابعة للمعاني ، فكما تشبث الحرف بما دخل عليه معنى وجب أن يتشبث به لفظا وذلك هو العمل ، فأصل للحرف أن يكون عاملا ، فنذكر الحروف التي لم تعمل وسبب سلبها العمل : فمنها : ( هل ) فإنها تدخل على جملة قد عمل بعضها في بعض وسبق إليها الابتداء أو الفاعلية ، فدخلت لمعنى في الجملة لا لمعنى في اسم مفرد فاكتفي بالعامل السابق قبل هذا الحرف وهو الابتداء ونحوه . وكذلك ( الهمزة ) فإنها حرف دخل لمعنى في الجملة ، ولا يمكن الوقوف عليه ولا يتوهم انقطاع الجملة عنه ، لأنه حرف مفرد لا يوقف عليه ، ولو توهم ذلك فيه لعمل في الجملة ليؤكدوا بظهور أثره فيها تعلقه بها ودخوله عليها واقتضاءه لها ، كما فعلوا في ( إن ) وأخواتها حيث كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعدا ، يجوز الوقوف عليها : كأنه وليته ولعلّه ، فأعملوها في الجملة إظهارا لارتباطها وشدة تعلقها بالحديث الواقع بعدها . وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة إذا كان مؤلفا من حرفين نحو : ( هل ) فربما توهم الوقف عليه ، أو خيف ذهول السامع عنه ، فأدخل في الجملة حرف زائد ينبه السامع عليه ، وقام ذلك الحرف مقام العمل نحو : هل زيد بذاهب ، وما زيد بقائم ، فإذا سمع المخاطب الباء وهي لا تدخل في الثبوت تأكد عنده ذكر النفي والاستفهام وأن الجملة غير منفصلة عنه . ولذلك أعمل أهل الحجاز ( ما ) النافية لشبهها بالجملة . ومن العرب من اكتفى في ذلك التعلق وتأكيده بإدخال الباء في الخبر ، ورآها نائبة في التأثير عن العمل الذي هو النصب . وإنما اختلفوا في ( ما ) ولم يختلفوا في هل لمشاركة ( ما ) لليس في النفي ، فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة يؤكد تشبهها بها جعلوا ذلك الأثر كأثر ليس وهو النصب ، والنصب في باب ليس أقوى لأنها كلمة كليت ولعل وكأن ، والوهم إلى انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى توهم انفصال الجملة عن ما وهل ، فلم يكن بدّ من إعمال ليس وإبطال معنى الابتداء السابق ، وكذلك إذا قلت : ما زيد إلا قائم فلم يعملها أحد منهم لأنه لا يتوهم انقطاع زيد عن ( ما ) لأن ( ألا ) لا تكون إيجابا إلا بعد نفي ، فلم يتوهم انفصال الجملة عن ( ما ) ولذلك لم يعملوها عند تقدم الخبر نحو : ما قائم زيد ، إذ ليس من رتبة النكرة أن تكون مبتدأ بها مخبرا عنها إلا مع الاعتماد على ما قبلها ، فلم يتوهم المخاطب